نورا ناطور.
إعداد: أحمد الرمح
الملخص التنفيذي:
الجنس في شرقنا البائس؛ هذه الكلمة التي تكاد تقارب بمعناها وصداها رهبة وصدى كلمة ارهاب! فالجنس كفكر قبل أن يكون فعلاً له تداعيات كارثية على الروابط الاجتماعية الأسرية خاصة؛ حينما يتعلق الأمر بالمرأة العربية التي تطالب بتحرّرها لتحصل على حقوقها كاملة، لكن قبل أن تدرك تلك المرحلة المفصلية؛ ستجد مراحل حثيثة من قِبَل المجتمع تسابقها لتنميط وتأطير شخصيتها وإلصاق صفة النسوية بها؛ فتصبح امرأة صغيرة بجديلتين لا تُرحم طفولتها؛ ولا يُغفر ذنبها مهما صغر! هذه كله تناقشه هذه الورقة من خلال المحاور التالية:
- المدخل
- مرحلة تصنيع الأفكار في رأس المرأة!
- دور الأم في بناء ثقافة وفكر ابنتها
- كيف تنجو المرأة من معاناتها؟
- دور المؤسسات الدينية والتربوية في عملية التثقيف!
- من أين تبدأ الحرية الفكرية؟
المدخل
صراع المرأة مع الجنس كالصراع الفلسطيني/ الإسرائيلي! وربما أكثر، حيث حقوقها مهضومة تماماً ــ إلا ما رحم ربي ــ منذ نعومة أظفارها، فنحن في شعوبنا العربية ما تزال هناك شرائح عربية اسلامية كبيرة؛ تُحَجِّب رأس الطفلة ابنة الست أو السبع سنوات وكأنها امرأة ناضجة، بل وتُعاقب تلك المرأة الصغيرة على نسيانها لارتداء قطعة القماش! إن سهت عنها أثناء اللعب في الطريق أو المدرسة مع قريناتها، وقد تُحرم في هذه السن من ممارسة طفولتها وبراءتها واللهو مع الصبية ممن يصلونها قربة أو جواراً!
تلك الأفكار والطقوس لا تندرج تحت مسمى دين أو عادات أو تقاليد أو احتشام؛ كما يدّعي الغالبية، بل تندرج صراحة ــ مهما حاولوا الاختباء وراء أصابعهم ــ تحت مسمى اغتصاب طفولة بريئة لمجرد أنّ هذا المخلوق؛ وُلد أنثى!
مرحلة تصنيع الأفكار في رأس المرأة!
مما سبق تبدأ رحلة الصراع بسكب الأفكار والأمراض والوساوس في تلك الجمجمة الصغيرة ذات الادراك المحدود والحس الضيّق، ثم يأخذ المرض بالتفشي في عقل الصغيرة! ليتنقّل عبر مراحل نموها وتطورها إلى باقي أعضائها؛ فيسقر ذاك المرض اللعين عند غشائها الرقيق؛ الذي لا يحتمل هول قضايا الشرف وقضايا الزواج المبكر والاعتداء والاغتصاب؛ الذي قد تتعرض له بعضهنّ، فيصبح الغشاء مثل بيت العنكبوت واهناً فوق وهنه، ويصبح الحل عند الكثيرات ــ خاصة ممن نشأن في بيئة منغلقة مريضة ــ هو الهروب الى الزواج وتسليم مهمة فضّ ذاك الغشاء للزوج الذي ثبت في معظم المجتمعات العربية أنه أكثر مرضاً من التي تزوجها!
ليس للدين والأخلاق أهمية عند مجتمعاتنا العربية كما هي العادات والتقاليد والموروث الفقهي الذي يجرّم عمليةَ الجنس خارج العلاقة الزوجية، بل ويرفعها لمستوى الجريمة التي قد يذهب فيها قتلى! إن حدث وأحبّ شاب فتاة بعينها؛ ودخل بها دون عقد زواج شرعي تقليدي، فهذا ليس ملكاً له، وهذا بحد ذاته مصيبة حين تكون المرأة ملك من يفض بكارتها لا ملك من يقتحم قلبها ويرضي نفسها وكيانه.
أنا لا أقول ولا أدعو لأن تكون المرأة ماجنة؛ أو مصدر للتفلّت والرذيلة والانحلال الأخلاقي بتاتاً، لكني أدعو وبقوة أن تكون المرأة حرّة في اختيار شريك حياتها الذي يترتب عليه قبل أن تصل لهذه المرحلة من النضج النسوي والأنثوي والفكري والجنسي الذي وصلت إليه بعضهن بالسر؛ أو في العلن؛ خطوات وقرارات مهمة منوطة بالأهل خاصة الأم المسؤولة الأولى عن تنشئة امرأة ستبني يوماً ما أسرة، وتربي جيلاً جديداً يرث فكر من سبقوه.
دور الأم في بناء ثقافة وفكر ابنتها
دائماً يكون للأم الدور الأكبر في صياغة فكر سليم لابنتها؛ فهي الأقرب إليها من الأب! ويحتاج هذا الدور إلى شجاعة كبيرة وعظيمة من الرجل؛ فتبدأ مهمته حين يختار زوجاً له؛ تعينه على تنشئة جيل واعٍ وناضج، فيأتي دور المرأة مكملاً وداعماً له، حينئذ تبدأ المساهمات الكبيرة؛ وربما التضحيات التي قد يهاجمها الأهل والأقارب معترضين على النهج التربوي والأفكار التي يربّون أبناءهم وبناتهم عليها.
فعلى سبيل المثال هناك من ينتقد من الأهل ” الجد والجدة” عدم تغطية رؤوس الصغيرات من الحفيدات معللين ذلك خوفهم من أن تكبر الصغيرة؛ وترفض ارتداء الحجاب وهي شابة، وقد تصل عند بعضهم إلى ترهيب؛ وأحياناً ترغيب الصغيرات؛ وذلك بشراء حجاب لهن مع إقامة حفل (تحجيب) محترم لمجموعة فتيات كالتي تحدث في بعض المساجد أو بعض البيوت.
هذا يقودنا لقول إن بناء حياة قويمة وصحيحة يحتاج إلى بناء فكر سليم وعقيدة قويمة؛ عمودها الفقري خدمة وبناء الانسان جسدياً وفكرياً ونفسياً، فبناء الفكر ورفاهية النفس لا تقل درجة عن تغذية الجسد! بل إن تغذية الفكر بشكل سليم يبني أجساداً ونفوساً صلبة؛ تستطيع مقاومة الصدمات التي يتعرّض لها الانسان عامة؛ والمرأة على وجه الخصوص.
هذه المرأة التي ستختار شريك حياتها بشكل صحيح، سيمكّنها من إدارة حياتها الجنسية من رغبات وميول وحب، وأيضاً معالجة النفور إن حدث في علاقتها مع شريكها الذي ستتداركه قبل تطوره وتضخمه وقبل أن يعيق مجرى حياتها وحياة شريكها، فكم من علاقات زوجية انتهت بالطلاق لمجرد عقم” فكري” لا جسدي؛ تاه حلّه عن أحد الشريكين أو كلاهما في كيفية التوصّل له، حل يجعلهما متفقين على الخوض به من أجل الإبقاء على سلامة زواجهما والسير بمركبهما نحو شاطئ الأمان.
كيف تنجو المرأة من معاناتها؟
إن الثقافة الجنسية التي إنْ ركّز الوالدان عليها وجعلاها ثقافة تدرّس؛ وتُعلّم كما الموسيقا والرسم والرقص والغناء دون خجل مبالغ فيه، أو تحفّظ في غير مكانه؛ وتقديمه بموضوعية مبني على العلم والتثقيف الجنسي بحسب منهج يتناسب وأعمار أطفالهم وتطوّر حواسهم وادراكاتهم الجنسية التي لم تعد تقنعها بأن أباءهم عثروا عليهم في وعاء اللبن، أو في عش عصفور، أو أن ولادتهم كانت هدية قذفتها السماء إلى الأرض من أحد الشهب الطائرة!
ننجو فقط مما نحن فيه من كبت وتخلّف وانحدار:
- حين نتوقف عن تجريم الجنس ورفعه لمستوى الجريمة عدا الاغتصاب والاعتداءات الجنسية.
- وحين نتوقف عن تحميل المرأة إثم الخطيئة بسبب نزوة قادتها إلى فعل الجنس لا الرذيلة بدافع الحب.
- وحين نتوقف عن دفع شاب مقبل على الزواج؛ يلهث وراء البكر لأنها “طاهرة وعفيفة”.
- والاسفاف في توصيف الخطيئة ومن قامت بها بالمنحطة والوضيعة، في حين أنّ الشاب أو الرجل يقيم علاقات وتجارب قد تنجح. والأغلب تنتهي بالفشل! لكن حينما يتزوج؛ يُزكى عند الأهل والأقارب والشيخ على رأسهم!
- وحين نتوقف عن تلكم الأفكار ونحاربها ونقوّمها؛ ونجد لها حلولاً منطقية، حينها فقط نصل إلى فكر سليم وصحيح، وبالتالي سنصل إلى إنسان معافى فكرياً ونفسياً وجسدياً قادراً على تأسيس أسرة حرة مثقفة وإنشاء فتيات قادرات على تربية نصف المجتمع بشكل سوي وسليم.
دور المؤسسات الدينية والتربوية في عملية التثقيف!
طبعاً لا يمكننا التعامي عن دور المؤسسات الدينية والتربوية في هذا المجال؛ لأن بناتنا وأبناءنا سيكونون تحت رعايتهم؛ وسينهلون يوماً ما من نهل معارفهم عبر مناهج وخطة دراسية؛ ستكون مدمّرة أو بانية نهضوية حسب الفكر السائد، لكن للأسف لم يتحقق إلى يومنا هذا ما نريد، فالمناهج الدينية مازالت توغل قمعاً بأفكارها الغريبة! فهي ما زالت تحرّم النظر بين الجنسين لدرجة اعتبار النظرة الثانية زنى، فهل كل ناظر لامرأة زانٍ؟ وهل كل ناظرة لرجل زانية؟ وما زالت المصافحة بين الطرفين عيباً وحراماً، والاختلاط بين الجنسين عند الطفولة البريئة مدعاة للدعارة بسن مبكرة!
مالم نتخلص من الفكر المريض وذلك باجتثاثه من المناهج والعقول؛ فلن يكون هناك امرأة حرة أو حتى رجل حراً، فالرجل العربي ليس حراً رغم حصوله على حيزاً كبيراً من الحرية مقارنة بالمرأة، لكن ما فائدة أن يصل بحريته الجسدية إلى كل ما تشتهيه وتتمناه نفسه، بينما الحرية الفكرية لديه ما زالت صدأة عفنة؛ تجعله من فرط حريته الجسدية؛ يتصرّف بعدوانية حيال من يقعن تحت حكمه وسيطرته من النساء، فكلما تحرر جسدياً توحّش فكرياً؛ وأوغل بقمع المرأة حد الخناق أو القتل في بعض المجتمعات.
من أين تبدأ الحرية الفكرية؟
التحرر يبدأ من النصوص الدينية حين نتوقف عن تفسيرها تفسيراً متطرفاً؛ ونضعها في سياقها الصحيح حسب معطيات الحياة والمجتمع ومتطلباته وتطوره مع الحفاظ على جوهر الانسان وقيمه بعيداً عن الابتذال والاسراف المادي الجسدي؛ كما يحدث في بعض المجتمعات الغربية ــ رغم نجاحهم في ايصال المرأة للتطور والنمو ــ التي تدعم المرأة وتعينها على الاستقلالية التي دفعت مقابلها الكثير حسب رأيي وتقييمي.
ولا يحصل هذا التحرر مالم يكن الرجل العربي الداعم الأول لتحرر المرأة من كل القيود العقائدية والاجتماعية، فلن يكن هناك امرأة كاملة ولا رجل كامل! والمرأة بالمقابل عليها أن تفهم أن التحرّر من معوّقات التقدم؛ لا يعني التفلّت والتسيب، بل القدرة على التحرر من الأفكار قبل تحرير الاجساد من أصفادها، والقدرة على صناعة القرار؛ لأنه لن يكون هناك حرية صحيحة مالم يسبق التحرر أشواطاً عظيمة وحازمة من الوعي والتثقيف والانفتاح والقدرة على الاعتراف بعيوبنا وعفننا الاجتماعي والفكري والديني؛ لنستطيع ايجاد الحلول الناجعة بقوة للقضاء جذرياً على أشكال الصدأ الذي لوّث حياتنا فاستحالت جحيماً منذ أكثر من ألف وأربعمائة سنة!
فعلى الرغم من الانفتاح الاجتماعي شرقاً وغرباً، عرباً وعجماً، إلا أننا ما زلنا نفكر حتى اللحظة، بل ونعتنق أحاديثاً مقدّسة قدّست الأموات، وعزّزت شخصيات؛ ربما لم تكن في زمانها بهذه الرفعة والشأن، بل وقدّمتها على أشراف الناس من الأحياء!
هذه القدسية المزيفة هي أحد موبقات عصرنا ومجتمعنا الذي تخلف رغم ادعائه بالإيمان، وأيضاً تطبيق الشرائع السماوية خاصة الاسلامية بشكل خاطئ، وتشدّقه بأن أرضه أرض السلام وفيه كل هذا الخراب!
مالم نحطّم هذه القدسية الصنمية فلن تقوم لنا قائمة، بل سنظل نلوك ماضينا العتيد، ونحن ندّعي أننا من أنصار المرأة والإنسان بينما ما نزال نمسك بأيدينا الرسن والكرباج!