أحمد الرمح
بعدما آلت غزة إلى ما آلت إليه نتيجة طريقة التفكير الحمساوية! ومشكلة حماس الخطيرة في تقديم مشروعها الإسلاموي على القضية الأم قضية فلسطين! لا بد أن نتوقف مع تساؤل يفسر لنا كيف وصلت غزة بكل ما فيها إلى ما وصلت إليه.
لدينا اليوم إشكالية بالفعل في توصيف حركة حماس، تبدأ من تصنيفها كحركة إسلامية فلسطينية، ما يعني أن وجودها في الساحة العربية والإسلامية يعتبر شائكاً ومعقداً، فهي تستغل هذه المكانة من الجغرافية عاطفياً وانفعالياً؛ وتعمل على تقديم نفسها أنها المشروع الإسلامي للدفاع عن القضية الفلسطينية، وهذه الفكرة لا تزال تدفع قطاعاً واسعاً من الشارعين العربي والإسلامي للتعاطف مع هذه الحركة.
وبما أن لدينا فشلاً ذريعاً في العملية السياسية للقضية الفلسطينية فإن غالبية المتعاطفين مع حماس يؤمنون أنها هي الممسكة بمفتاح القوة في المعادلة من خلال انتهاجها الأساليب العسكرية وعدم توجهها للعملية السياسية، وهي بالضبط الإشكالية المعقدة والتي تتسبب بهذا التعاطف مع الحركة، دون معرفة خفايا هذه الحركة وما تمارسه من سلوك على الأرض في غزة، وهل ثمة مشروع حقيقي لهذه الحركة يتعلق بالقضية الفلسطينية أو بحماية الشعب الفلسطيني؟ أم أن مشروعها مجرد صورة إعلامية بعيدة عن الواقع؟ ساهم فيها قطاع كبير من المشايخ والدعاة العرب الذين هم تاريخياً تربطهم علاقة عاطفية بالملف الفلسطيني، وهي سمة ملازمة لغالبية الدعاة والمشايخ، الذين تبقى معرفتهم بالقضايا السياسية محدودة ومتدنية ولا تتجاوز الجانب العاطفي.
من المهم جداً أن نعرف طبيعة الفكرة التي تنطلق منها حركة حماس وغيرها من الحركات الإسلامية في فلسطين وغيرها، فهي تؤمن أن جميع المكونات الشعبية من المدنيين التي تتواجد في محيطها هي ملزمة بالضرورة أن تكون صورة عنها، وبقراءة أوضح للمشهد، فإن الفكرة ترجع للعصر الإسلامي الأول، وتبدأ من المدينة المنورة، حيث تؤمن هذه الحركات أن كل من لا يساندها فهو يشبه المنافقين الذين لم يساندوا النبي صلى الله عليه وسلم في واقعة تبوك! ما يعني أن جميع الحركات الإسلامية التي نراها تؤمن أن لديها “تبــــوك” الخاص بها، ومن يخالفها الرأي فهو من المنافقين.
وإذا أردنا على سبيل المثال أن ننظر بصورة أوضح إلى تموضع الحركات الإسلامية في سوريا مثلاً سوف نلاحظ مسألة مهمة، أن المدنيين لا يملكون حق الاختيار بالمطلق، هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن الإنسان المدني المسالم الموجود تحت حكم جماعة إسلامية معينة؛ لا تتعامل معه الجماعات الثانية المتصارعة من منطلق إنساني بحت، فهو غالباً ضحية طرفي النزاع، مثال ذلك أن تنظيم الدولة كان يعتبر أن المدنيين المقيمين خارج نطاق سيطرته أنهم رفضوا الهجرة إلى دولة الخلافة، تماماً كما ترى الفصائل الإسلامية السورية إبان الثورة أن المدنيين خارج نطاق سيطرتهم؛ ليسوا من مسؤولياتهم بغض النظر عن وحدة الأرض والشعب وحتى المذهب.
وهكذا هو تماماً المشهد في غزة، حيث تؤمن حركة حماس أنها الوحيدة صاحبة مشروع الأمة، وعلى عموم الأمة مبايعتها؛ ولو أن شكل البيعة الحمساوية مختلف نسبياً.
ولهذا نجد أن حماس ومنذ تسلمها للسلطة في غزة قامت بالسيطرة على غالبية المساجد واستخدمت سياسة القتل والترهيب حتى ضد حليفها (حركة الجهاد الإسلامي)، ثم صنعت خطباء للمساجد خاصين بها، عملوا خلال السنوات الماضية على استقطاب من استطاعوا من سكان غزة، وأدخلوا في مخيلة عناصرهم فكرة واحدة، أن الحركة هي الإسلام وهي فلسطين وهي القدس، وما وراء ذلك هم مجموعة من المنافقين أو الجهلة، وهذه الفكرة هي ترجمة حقيقية لفكرة سيد قطب التي تحدث عن الجاهلية في القرن العشرين في كتابه معالم على الطريق؛ والطريف في الأمر أن المرشد الإيراني علي خامنئي وصف الأمة الإسلامية أنها بين جاهلية جديدة ونكبة ثانية في تشابه للخطاب مع حماس مما يثير الدهشة حول هذا التوافق.
عموماً، ومن خلال هذه الترجمة يختفي تماماً العنصر المدني من واقع الحركات الإسلامية لأن الطريق بالنسبة لديها واضح تماماً، فعلى المدنيين أن يقدموا ما لديهم لهذه الحركات لأجل إظهار صدق إيمانهم، وما لم يفعلوا ذلك فهم مجموعة من المنافقين أو الجهلة الذين لا يعرفون الدين الحق، أو حتى ممكن أن يوصفوا بالخونة! ولعل هذا يفسر عدم اكتراث الحركات الإسلامية للمدنيين، وعدم اهتمامها إلا بمن ينتمون إليها أو يدعمونها مادياً أو معنويا.
إنّ الحالة الإنسانية التي وصلت إليها غزّة معلومة للقاصي والداني، وانسداد الأفق السياسي وعدم وجود أي انفراج قريب هو واضح للجميع، فقد بلغت نسبة البطالة بين الشباب الذين أعمارهم ما بين 18-29 سنة، أو الموجودين خارج نطاق التعليم في القطاع الى 63 % وهذا بالطبع بحسب الجهاز المركزي الفلسطيني للإحصاء، ويعتبر ذلك رقماً فلكياً، لأن هذا الرقم يمثل الشباب الفلسطيني الذين هم خارج دائرة حماس، لأنه وكما هو معلوم في غزة، أن حكومة حماس عملت على توظيف 40 ألف موظف يتبعون لها منذ عام 2007 بعد الانقسام الفلسطيني.
ما نعنيه هنا أن البطالة محصورة بين الشباب الذين لا يتبعون حماس أو لا يعملون في مؤسساتها سواء العسكرية أو مؤسسات حكومة حماس. ومع هذا الرقم الفلكي من البطالة نصل إلى نسبة الفقر في غزة، حيث بلغت 75% ما يعني أنها الأعلى على مستوى العالم؛ وذلك وفق ما أصدرته وزارة التنمية الاجتماعية في قطاع غزة.
وأما القطاع الصحي فهو منهار تماماً وتحتاج كامل مستشفيات غزة لعملية إنقاذ سواء من جانب الأجهزة الطبية والأدوات وقلة الأسرّة المتوفرة للمرضى، بالإضافة للأدوية التي باتت تشكل أكبر تحدي للمواطنين بغية الحصول عليها، وخصوصاً أدوية الأمراض المستعصية، والعمليات الجراحية المعقدة وغير ذلك.
من المهم أن نعرف ماذا تريد حماس من غزة، وإلى أين وصلت الأمور بالمواطنين المقهورين الذين تحكمهم حماس وليس لديهم أي أفق للحياة، فهل ثمة فكرة معينة لدى حماس لإيجاد حلول سياسية ما يسمح بحدوث انفراج انساني أم لا؟
حركة حماس لا يعنيها الواقع الاجتماعي لسكان غزة! وهنا قد يبدو الأمر غير مقنع للكثيرين، وخصوصاً أنها حركة تعلن أنها ذات طابع إسلامي وتمارس الإسلام المعتدل بحسب ما تقول، وإذا قلنا إن هذا الواقع الاجتماعي البائس هو تماماً ما تريده حماس، فقد يعترض كثيرون انطلاقاً من أن الحس الإنساني لأي كائن بشري يرفض وصول الحالة الاجتماعية إلى هذا المستوى، ولكن ماذا لو قلنا إن هذا هو الواقع الذي يخدم حماس فعلاً؟
لنلاحظ مثلاً، أن الحالات الإنسانية المعقدة التي أفرزتها الحرب في غزة، لكن حماس تدعي أن المسلمين والعرب قد خذلوها في مغامرتها العسكرية غير المدروسة، التي جلبت لسكان غزة الويل والموت والدمار!
والمعروف تاريخياً أن الجيوش خلال الحروب المصيرية يكون العامل الأول لديها هو الحفاظ على العنصر البشري، والمعروف أيضاً أن التخلي عن العناصر البشرية هي سمة ملازمة للعصابات الإجرامية وعصابات المخدرات، التي سرعان ما تترك عناصرها في ميدان الموت مقابل نجاة زعمائها، وهنا يبرز السؤال الأهم، لماذا لا تحافظ حماس على العنصر البشري في مغامراتها العسكرية؟ ولا تكترث له ولا تفكر بسلامة مواطنيها أولاً مع إدراكها أن هذه مشروعيتها تتمثل بالحاضن الاجتماعي لها!
والنتيجة
من يظن أن حماس خاسرة في غزة فهو مخطئ، ومن يظن أن حماس تريد أن تتبدل هذه الحالة الموجودة فهو لا يعلم طبيعة الحركة، إنما ستتحدث وتصرخ بأنها انتصرت! رغم أن العرب والمسلمين خذلوها! وأنها آخر مشروعات المقاومة الفلسطينية!
بتوصيف آخر، إن حماس تشبه مجموعة من الأفراد جمعتهم ظروف معينة، وانطلقوا نحو مشروع جهادي كان أقصى ما يحلمون به أن تستمر حياتهم لأشهر أو ربما سنوات، ولم يحلموا يوماً أنهم سيمسكون بقطعة من الأرض، ويصنعون فيها إمارة خاصة بهم، وفجأة دار الزمن، ووصل بهم الأمر أنهم وصلوا إلى هذه المكانة، التي لم يكونوا يحلمون بالوصول إليها، فهم لديهم قطة أرض، ولديهم جيشهم، ولديهم مصادرهم المالية، ولديهم ما يسمونها موطئ قدم لأول إمارة إسلامية عربية فماذا يريدون أكثر من ذلك؟
فمتى تفكر حماس بفلسطين أولاً؟ لا بمشروع إمارة إسلاموية في فلسطين؟ ومتى تهتم للمواطن الفلسطيني قبل كل شيء لأنه نواة مشروع المقاومة؟ وإلى متى تبقى حماس تغامر دون حسابات استراتيجية؟
لقد حصلت حماس على أكثر مما تريد، وهي معنية فقط بالحفاظ على ما بين يديها، وأما الإنسان الفلسطيني، فهو بين خيارين، إما أن يصبح حمساوياً ويأخذ احتياجاته من خزنة حماس المالية، أو عليه الانتظار في دائرة المسلمين الجهلة، أو المنافقين.